24 أكتوبر, 2010

النداء الأول . . لا تقولوا راعنا

النداء الأول
لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ البقرة१०४

مدخــل

إن الكلمة إذا أصبح لها مدلول اصطلاحي أي حقيقة عرفية خاصة، وصار لاستعمالها واقع فحينها يسَلَّط الحكم الشرعي على المعنى الاصطلاحي وليس على المعنى اللغوي، فإن كلمة ( راعنا ) كلمة عربية بمعنى انتظرنا وأمهلنا وهي نفس معنى كلمة (انظرنا) ولكن اليهود يستعملون ( راعنا ) في معنى السبّ والشتم ويستغلون استعمال المسلمين لها في نداء الرسول صلى الله عليه وسلم فسيتعلمونها هم في نداء الرسول كذلك بقصد السبّ والشتم ، فنزلت الآية بأن لا يستعمل المسلمون هذه الكلمة لأنها أصبحت اصطلاحاَ – حقيقة عرفية خاصة- بمدلول جديد، وأصبح الحكم الشرعي لمثل هذه الكلمات يسلط على المعنى الاصطلاحي وليس على المعنى اللغوي.
فمثلا لو سُئلنا الحكم الشرعي في الاشتراكية، فلا نبحث معنى الاشتراكية اللغوي من اشترك أو شركاء أو شركة حسب معانيها اللغوية ونسلط الحكم عليها، بل نسلط الحكم الشرعي على المعنى الاصطلاحي لكلمة (اشتراكية) فنجد أن أهلها سموها بهذا الاسم للدلالة على مبدأ معين ينكر أن هناك خالقاً للمادة ويعتبرها أزلية ثم يطبق أحكاماً منبثقة من عقيدته هذه، فيقول بتطور المادة وإلغاء الملكيات وأنواع المساواة المبنية في ذلك النظام، وبهذا المعنى نقول إن الاشتراكية نظام كفر للنصوص الواردة حول مدلولها الاصطلاحي.
[1]ومثلها الديمقراطية والرأسمالية والعلمانية॥ إلخ।
المعاني المفردة

رَاعِنَا: فِعْلُ أَمْرٍ. أمر من المراعاة، أي راعنا سمعك أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه أو انظر في مصالحنا وتدبير أمورنا..
انْظُرْنا: أي انظر إلينا، أو انتظرنا وتأنّ علينا وأمهلنا।

سبب النزول
[2]

قالَ ابنُ عباسٍ في روايةِ عطاءٍ: وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِهَا، فَلَمَّا سَمِعَتْهُمُ الْيَهُودُ يَقُولُونَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ وَكَانَ ﴿رَاعِنَا﴾ فِي كلام اليهود سبًّا قبيحًا فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا فَالآنَ أَعْلَنُوا السَّبَّ لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَكَانُوا يَأْتُونَ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ ﴿رَاعِنَا﴾ وَيَضْحَكُونَ فَفَطِنَ بِهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَكَانَ عَارِفًا بلغة اليهود، وقال: يا أَعْدَاءَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَئِنْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ فَقَالُوا: أَلَسْتُمْ تَقُولُونَهَا لَهُ؟ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآيَةَ.
مناسبة الآية في السياق[3]

"اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه"
] ومناسبة نزول هاته الآية عقب الآيات المتقدمة في السحر وما نشأ عن ذمه ، أن السحر كما قدمنا راجع إلى التمويه ، وأن من ضروب السحر ما هو تمويه ألفاظ وما مبناه على اعتقاد تأثير الألفاظ في المسحور بحسب نية الساحر وتوجهه النفسي إلى المسحور ، وقد تأصل هذا عند اليهود واقتنعوا به في مقاومة أعدائهم.[. من فوائد ابن عاشور فى الآية.
في ظلال النداء[4]
يتجه الخطاب في مطلع هذا الدرس إلى ﴿ الذين آمنوا ﴾ يناديهم بالصفة التي تميزهم ، والتي تربطهم بربهم ونبيهم ، والتي تستجيش في نفوسهم الاستجابة والتلبية .
وبهذه الصفة ينهاهم أن يقولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿ راعنا ﴾ - من الرعاية والنظر - وأن يقولوا بدلاً منها مرادفها في اللغة العربية : ﴿ أنظرنا ﴾ । . ويأمرهم بالسمع بمعنى الطاعة ، ويحذرهم من مصير الكافرين وهو العذاب الأليم :
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا : راعنا وقولوا انظرنا . واسمعوا . وللكافرين عذاب أليم ﴾ .
وتذكر الروايات أن السبب في ذلك النهي عن كلمة ﴿ راعنا ﴾ । . أن سفهاء اليهود كانوا يميلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ ، وهم يوجهونه للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يؤدي معنى آخر مشتقاً من الرعونة . فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي - صلى الله عليه وسلم - مواجهة ، فيحتالون على سبه - صلوات الله وسلامه عليه - عن هذا الطريق الملتوي ، الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء! ومن ثم جاء النهي للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة ، وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى ، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته . كي يفوتوا على اليهود غرضهم الصغير السفيه!
واستخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى غيظهم وحقدهم ، كما يشي بسوء الأدب ، وخسة الوسيلة ، وانحطاط السلوك । والنهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله لنبيه وللجماعة المسلمة ، ودفاعه - سبحانه - عن أوليائه ، بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين.

هداية وتدبر[5]

1. نهي الجماعة المسلمة عن التشبه بهؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب في قول أو فعل بما
يتوافق مع معاني ومدلولات غير المسلمين فما بالكُم بالإيمان والاعتقاد والعمل بما عندهم من
أفكار ومناهج حياة وسلوك.
2. التمسّك بسدّ الذرائع وحمايتها.. وقد دلّ على هذا الأصل الكتابُ والسُّنة. والذَّرِيعة عبارةٌ عن أمر غير ممنوع لنفسه يُخاف من ٱرتكابه الوقوع في ممنوع. – وَهِيَ الْوَسَائِلُ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى أَمْرٍ مَحْظُورٍ –.
3. استخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى عظيم غيظهم وحقدهم، كما يشي بسوء الأدب، وخسة الوسيلة، وانحطاط السلوك.
4. النهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله لنبيه وللجماعة المسلمة، ودفاعه – سبحانه – عن أوليائه، بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين.
5. كشف دسائس اليهود وكيدهم للإسلام والمسلمين؛ وتحذير الجماعة المسلمة من ألاعيبهم وحيلهم، وما تكنه نفوسهم للمسلمين من الحقد والشر، وما يبيتون لهم من الكيد والضر. ويكشف للمسلمين عن الأسباب الحقيقية الدفينة التي تكمن وراء أقوال اليهود وأفعالهم، وكيدهم ودسهم، وألاعيبهم وفتنهم، التي يطلقونها في الصف الإسلامي.
6. فرِّغوا أيها المؤمنون أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة. واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا. واسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم.
7. تجنّب الألفاظ المحتمِلة التي فيها التعريض للتنقيص والغَضّ.
8. قوله تعالى: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ نهيٌ يقتضي التحريم.

[1] . التيسير في اصول التفسير: عطا ابو الرشتة ص134-135. ط 1418هـ 1998م
[2] . التفسير المنير فى العقيدة والشريعة والمنهج/ وهبة بن مصطفى الزحيلىالقرن، الخامس عشر، الناشر: دار الفكر المعاصر، مكان الطبع: بيروت دمشق، سنة الطبع : 1418 ق، ج1 ص235.
[3] . الحَاوِى فى تَفْسِيرِ القُرْآنِ الْكَرِيمِ، ويُسَمَّى ( جَنَّةُ الْمُشْتَاقِ فى تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَلِكِ الْخَلَّاقِ )/ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَمَّاش، إِمَامُ وَخَطِيبُ مَسْجِدِ بُورُسْلِى ـ رَأْسُ الْخَيمَةِ، دَولَةُ الإِمَارَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَّحِدَةِ،ج6 ص 27.
[3] . في ظلال القرآن.

[5] . أسباب نزول القرآن. الواحدي. تفسير مفاتيح الغيب. التحرير والتنوير. في ظلال القرآن. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج. الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي، المحقق: هشام سمير البخاري، الناشر: دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة: 1423 هـ/ 2003 م.

العمل من الإيمان

العمل من الإيمان

انتبهوا إلى هذا الكلام الجميل النفيس لمحمد رشيد بن علي رضا:
"جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ آيَاتٍ، وَوَصَفَهُمْ فِي كِتَابِهِ بِصِفَاتٍ غَيَّرَهَا الْمُحَرِّفُونَ وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا آيَاتِ الْغِشِّ وَصِفَاتِ الْمُخَادَعَةِ الَّتِي يَفْتِنُونَ بِهَا الْعَامَّةَ. أَكْبَرُ آيَاتِ الإِيمَانِ وَأَظْهَرُهَا الاهْتِدَاءُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ، وَإِيثَارُهُ عَلَى كُلِّ مَا يُخَالِفُهُ، وَاحْتِمَالُ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ الَّذِي يَهْدِي إِلَيْهِ وَالْخَيْرِ الَّذِي يَحُضُّ عَلَيْهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَذْلُ الْمَالِ وَالنَّفْسِ، فَمَنْ بَخِلَ بِمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ مَالٍ وَقُوَّةٍ عَلَى تَأْيِيدِ كَلِمَةِ اللهِ فَلَا وَزْنَ لِإِيمَانِهِ فِي كِتَابِ اللهِ.
فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الْمُقَلِّدُ لِوَالِدَيْهِ وَمُعَاشِرِيهِ وَأَقْرَانِهِ، الَّذِي يَحْسَبُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ; لِأَنَّهُ وُلِدَ وَرُبِّيَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَضِيَ بِبَعْضِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ رُسُومِ الدِّينِ، أَوِ اتِّكَالًا عَلَى شَفَاعَةِ الْأَوَّلِينَ، اقْرَأْ أَوِ اسْمَعْ وَتَأَمَّلْ مَا عَاتَبَ اللهُ تَعَالَى بِهِ أَفْضَلَ سَلَفِكَ الصَّالِحِينَ، وَمَا ذَكَرَهُ عَمَّنْ سَبَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ النَّبِيِّينَ.
وَيَا أَيُّهَا الْعُلَمَاءُ بِالرُّسُومِ، وَالْعَاكِفُونَ عَلَى قِرَاءَةِ كُتُبِ الْعُلُومِ، لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ الْكَاتِبِينَ، فَقَدْ وَضَعَ كِتَابُ اللهِ الْمِيزَانَ لِلصَّادِقِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَتَذَكَّرُوا وَتُذَكِّرُوا بِهِ إِخْوَانَكُمُ الْمُسْلِمِينَ، وَلا يَصُدَّنَّكُمْ عَنْ آيَاتِ اللهِ وَالِاهْتِدَاءِ بِكِتَابِ اللهِ أَنَّكُمْ فَضَّلْتُمُ النَّاسَ بِقِرَاءَةِ مُطَوَّلَاتِ الْكُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ، وَصَرْفِ السِّنِينَ الطِّوَالِ فِي فَهْمِ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ، وَالِاكْتِفَاءِ مِنْ عِلْمِ الْإِيمَانِ بِمِثْلِ السَّنُوسِيَّةِ والنَّسَفِيَّةِ; فَإِنَّ يَنْبُوعَ الْإِيمَانِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى فَاحْصُوا مَا فِيهِ مِنَ الشُّعَبِ وَالْآيَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}.
وَيَا أَيُّهَا الأُمَرَاءُ وَالسَّلَاطِينُ الَّذِينَ انْتَحَلْتُمْ لِأَنْفُسِكُمُ الرِّيَاسَةَ فِي هَذَا الدِّينِ، وَإِفَاضَةَ السُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالْحَاكِمِينَ، اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُخَاطَبُونَ كَغَيْرِكُمْ بِهَذِهِ الآيَاتِ، بَلْ هِيَ مُوَجَّهَةٌ إِلَى غَيْرِكُمْ بِالتَّبَعِ وَإِلَيْكُمْ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ; لأَنَّكُمْ سَلَبْتُمُ الأُمَّةَ الاسْتِطَاعَةَ عَلَى الْعَمَلِ لِلْمِلَّةِ، وَمِنْكُمْ مِنْ سَلَبَهَا أَيْضًا حُرِّيَّةَ الْقَوْلِ وَالدَّعْوَةِ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُخَفِّضُوا مِنْ هَذِهِ الْكِبْرِيَاءِ، وَأَنْ تَتَحَمَّلُوا فِي سَبِيلِ الْحَقِّ الْبَأْسَاءَ وَالضَّرَّاءَ، وَأَنْ تَبْذُلُوا فِي تَأْيِيدِ كَلِمَةِ اللهِ قَنَاطِيرَ الذَّهَبِ الَّتِي تُخَزِّنُونَ، وَهَذِهِ الْمَزَارِعَ وَالدَّسَاكِرَ الَّتِي تَتَأَثَّلُونَ، فَإِنَّ مَا تَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى أَصْلِ سُلْطَتِكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَهَذِهِ آيَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا أَعْلَمَ اللهُ بِهِ أَهْلَ الإِيمَانِ الصَّادِقِينَ، بَلْ عَلَيْكُمْ بَعْدَ إِقَامَةِ شُعَبِ الإِيمَانِ فِي أَنْفُسِكُمْ، أَنْ تُقِيمُوهَا فِي أَنْفُسِ رَعِيَّتِكُمْ، وَتَكُونُوا قُدْوَةً لِعَالِمِهِمْ وَعَامِلِهِمْ، وَغَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ; لِتَكُونُوا أَئِمَّةَ هُدًى وَنُورٍ لَا أَئِمَّةَ ضَلَالَةٍ وَفُجُورٍ، وَإِلا كَانَ عَلَيْكُمْ إِثْمُكُمْ وَإِثْمُ جَمِيعِ الْأُمَمِ الَّتِي مُنِيَتْ بِكُمْ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِصِفَاتِ الإِيمَانِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ لِلإِيمَانِ عَلَيْهِ حُقُوقًا عَامَّةً وَوَاجِبَاتٍ خَاصَّةً هُنَّ آيَاتُ الإِيمَانِ وَثَمَرَاتُهُ فِي الأَنْفُسِ وَالأَعْمَالِ، وَبِهِنَّ يُؤَدِّي إِلَى غَايَتِهِ مِنْ سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَلَمْ يَسْلُبِ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ تِلْكَ النِّعَمَ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى سَلَفِهَا بِقِيَامِهِمْ بِحُقُوقِ الإِيمَانِ إِلا بَعْدَ التَّفْرِيطِ فِيهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُمَنُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْجَنَّةِ بَدَلا عَمَّا فَاتَهُمْ مِنَ السِّيَادَةِ وَالْعِزَّةِ غَافِلِينَ عَنِ الآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي تَفْرِضُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأَعْمَالِ لِسَعَادَةِ الآخِرَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَفْرِضُهُ عَلَيْهِمْ لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ فِي كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا مَا يَكْفِي لاسْتِئْصَالِ جَرَاثِيمِ الْغُرُورِ وَالْأَمَانِيِّ، فَمَا بَالُكَ بِمَجْمُوعِهَا ! فَعَلَى الْمُسْلِمِ الْمُذْعِنِ أَنْ يَشْغَلَهُ تَطْبِيقُهَا عَلَى نَفْسِهِ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِعُيُوبِ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَتَعَاوَنَ مَعَ أَهْلِهَا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَيَهْجُرَ الرَّاغِبِينَ عَنْهَا غُرُورًا بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا."
[1]
"الإيمان باللّه في الإسلام قاعدة التصور. وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة. وقاعدة الخلق وقاعدة الاقتصاد.. وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك. الإيمان باللّه معناه إفراده - سبحانه - بالألوهية والربوبية والعبادة.. ومن ثم إفراده بالسيادة على ضمير الإنسان وسلوكه في كل أمر من أمور الحياة.. ليس هناك شركاء - إذن - في الألوهية أو الربوبية. فلا شريك له في الخلق. ولا شريك له في تصريف الأمور. ولا يتدخل في تصريفه للكون والحياة أحد. ولا يرزق الناس معه أحد. ولا يضر أو ينفع غيره أحد.. ولا يتم شيء في هذا الوجود صغيرا كان أو كبيرا إلا ما يأذن به ويرضاه.. وليس هناك شركاء في العبادة يتجه إليهم الناس. لا عبادة الشعائر ولا عبادة الخضوع والدينونة. فلا عبادة إلا للّه.. ولا طاعة إلا للّه ولمن يعمل بأمره وشرعه، فيتلقى سلطانه من هذا المصدر الذي لا سلطان إلا منه.. فالسيادة على ضمائر الناس وعلى سلوكهم للّه وحده بحكم هذا الإيمان.. ومن ثم فالتشريع وقواعد الخلق، ونظم الاجتماع والاقتصاد لا تتلقى إلا من صاحب السيادة الواحد الأحد .. من اللّه .. فهذا هو معنى الإيمان باللّه .. ومن ثم ينطلق الإنسان حرا إزاء كل من عدا اللّه، طليقا من كل قيد إلا من الحدود التي شرعها اللّه، عزيزا على كل أحد إلا بسلطان من اللّه."[2]

[1]. تفسير المنار : محمد رشيد رضا.
[2]. فى ظلال القرآن - ص341 / سيد قطب.

تعريف الإيمان

تعريف الإيمان

الإيمان لغة: مادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق
[1] والإيمان التصديق. قال إخوة يوسف لأبيهم: {وما أنت بمؤمن لنا} يوسف17 أي بمصدق.
وأما في الشريعة: فلإطلاقه حالتان:
الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام فحينئذ يراد به الدين كله، القول والعمل. قال الأوزاعي: كان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أما بعد فإن الإيمان فرائض وشرائع فمن استكملها فقد استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. وفسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك كله - أمور الدين الظاهرة والباطنة - في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وغيرهما فقال: (آمركم بالإيمان بالله وحده) قال : (أتدرون ما الإيمان بالله وحده) ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تؤدوا من المغنم الخمس)،
[2]. وأيضاً: (الإيمان بضع وسبعون شعبة ، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وسمى الله تعالى الصلاة إيماناً في قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) ]البقرة : 143[ - أي صلاتكم الأولى إلى بيت المقدس -.
وهذا المعنى هو الذي أراد البخاري إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوّب أبوابه كلها فقال: (باب أمور الإيمان) و (باب الصلاة من الإيمان) و (باب الزكاة من الإيمان) ... إلخ
والثانية: أن يطلق مقروناً بالإسلام وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل وما في معناه وكقوله تعالى: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} في كثير من الآيات.
[3]
عرّف جماهير أهل السنة الإيمان، بأنه :" اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان".
ومعنى هذا أن الإيمان في عرف الشرع، شامل لاعتقاد القلب، بحيث لو نطق بالشهادة ولم يكن مصدقا بها قلبه، لا يكون مؤمنا، ولو اعتقد بقلبه معنى الشهادة، ورفض النطق بها، لم يدخل في دائرة أهل الإيمان، وإذا نطق بالشهادة واعتقدها بقلبه، وترك ما أمره الله بفعله من الفرائض، وارتكب ما نهاه الله عنه من الكبائر، يكون ناقص الإيمان. وهو معرض لعقاب الله على ترك الفرائض وفعل المحرمات، وإذا مات قبل التوبة، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة.
قال ابن كثير رحمه الله: "والإيمان كلمة جامعة للإيمان بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل.
[4]
"ثُمَّ إِنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ مُنْقَسِمٌ فَيَكُونُ مِنْهُ مَا يَخْفَى وَيَنْكَتِمُ وَهُوَ الْوَاقِعُ مِنْهُ بِالْقَلْبِ، وَيُسَمَّى اعْتِقَادًا، وَيَكُونُ مِنْهُ مَا يَنْجَلِي وَيَظْهَرُ وَهُوَ الْوَاقِعُ بِاللِّسَانِ، وَيُسَمَّى إِقْرَارًا وَشَهَادَةً"[5]
[1]. انظر القاموس المحيط ؛ والمعجم الوسيط.
[2]. وفي الصحيحين واللفظ لمسلم، انظر صحيح مسلم بشرح النووي (2/5) وفيه (فأفضلها قول لا إله إلا الله).
[3]. مختصر معارج القبول: أبو عاصم هشام بن عبد القادر بن محمد آل عقدة.
[4]. الحَاوِى فى تَفْسِيرِ القُرْآنِ الْكَرِيم ِ/ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَمَّاش.
[5]. شعب الإيمان،: أبو بكر البيهقي.

النداء بصفة الإيمان

النداء بصفة الإيمان

أتى رجلٌ عبدَ الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
إنه النداء الحبيب المحبب لكل من ذاق طعم الإيمان فالله تعالى يستجيش في نفوس المؤمنين الاستجابة والتلبية فلا يملكون إلا أن يقولوا "لبيك وسعديك – يارب – والأمر كله بين يديك. نحن – معشر المؤمنين – عبادك.. لك الأمر، وعلينا الطاعة والامتثال إن كنا مؤمنين. وسنكون بإذنك ومشيئتك مؤمنين دائماً، تحبنا وترضى عنا.. إنه النداء العلويّ الرائع الذي يرفعنا إلى مرتبة العبودية لله تعالى مدى حبه تعالى للمؤمنين.. وإذ يتكرر هذا النداء تسعاً وثمانين مرة يوضح الطريق المستقيم إلى مرضاته سبحانه، ويبين السبيل الأقوم للحياة الطيبة في الدنيا والواعدة في الأخرى."
[1]
"إنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولاً فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة.
وأيضاً فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات."
[2]
"الإيمان هو سبب التكليف.. فالله لا يكلف كافراً أو غير مؤمن.. ولا يأمر بتكليف إلا لمن آمنوا.. فما دام العبد قد آمن فقد أصبحت مسؤولية حركته في الحياة عند ربه.. ولذلك يوحي إليه بمنهج الحياة.. أما الكافر فلا يكلفه الله بشيء." [3]
[1] . دكتور : عثمان قدري مكانسي http://saaid.net/arabic/71.htm.
[2]. تفسير مفاتيح الغيب/ الرازي - بتصرف.
[3]. تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي.

يا أيها الذين آمنوا.. النداء بـ [يـا]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}
النداء بـ "يـا"

النداء هو طلب الإقبال بحرف نائب مناب أدعو أو أنادي. ولذا غلب أن يلي النداء أمر أو نهي "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً" "يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم" وقد تحذف أداة النداء "يوسف أيها الصديق"
فإذا كان النداء بـ "يا" في أصل استعمالها لنداء البعيد فإن الله تعالى حين ينادي عباده المؤمنين به فهو للدلالة على رفعة قدر المنادى وعظم شأنه ولكرامة المؤمنين وعلو منزلتهم عنده سبحانه الرحمن الرحيم.
وإلا فإن الله تعالى قريب من عباده المؤمنين {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة186
ومحيط سبحانه بكل شيء علماً {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} المجادلة7.
وهو معهم سبحانه ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} آل عمران5
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ق16.
فأي رحمة وأي تودد من الله الودود وهو ينادي عباده الذين أسرفوا على أنفسهم أن يُقبلوا عليه سبحانه وأن لا يقنطوا من رحمته فهو الغفور الرحيم – اللهم اشملنا بمغفرتك ورحمتك يا أرحم الراحمين {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } الزمر53.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ تَنْفَلِتُ عَنْهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، وَأَتَى ظِلَّ شَجَرَةٍ لِيَضْطَجِعَ، قَدْ أَيسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةٌ عَلَى رَأْسِهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قضية الإيمان في القرآن الكريم

قضية الإيمان في القران الكريم

وردت كلمة الإيمان وتصريفاتها حوالي 808 مرات في 35 صيغة كما يلي:
]آمَنَ آمنَتْ آمنْتُ آمنتم آمنّا آمَنوا تؤمن لتؤمننّ تؤمنوا تؤمنون نؤمن لنؤمننّ يؤمن يؤمنّ ليؤمنَن لتؤمنُن يؤمنوا يؤمنون آمِن آمِنوا الإيمان إيمانٍ إيماناً إيمانكم إيمانه إيمانُها إيمانهم بإيمانهن مؤمن مؤمناً مؤمنَين مؤمنِين مؤمنون مؤمنة مؤمنات[
في السور المدنية حوالي 514 مرة
في السور المكية حوالي 294 مرة
فهل هذا يعني أن القرآن اهتم بقضية الإيمان بعد الهجرة واستقرار المسلمين في دولتهم في المدينة أكثر من اهتمامه بها قبل الهجرة في مكة بينما المرحلة المكية هي قاعدة بناء الإيمان وتأسيسه وبينما المدينة هي قاعدة بناء الدولة بتشريعاتها المختلفة؟
سيتضح لنا الأمر حين نعرف حجم القرآن المكي والمدني.
فكم عدد آيات كل من المكي والمدني؟ وكم عدد صفحات كلٍّ؟
عدد آيات القرآن الكريم = 6236 آية
عدد آيات القرآن المكي = 4648 آية، بينما عدد آيات القرآن المدني = 1615
عدد صفحات المكي = 370 صفحة، وعدد صفحات المدني = 234 صفحة - حسب مصحف المدينة -.
صحيح أن تكرار مفردة الإيمان ومشتقاتها في المدني أكثر من المكي مع أن حجم المكي أكبر من المدني آياتٍ وصفحات، ولكن علينا أن نعلم أن كل القرآن المكي يعالج قضية الإيمان حيث ركّز على توحيد الله في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.. والتركيز على إقامة الحجة والبرهان على ذلك وكذا البعث والنشور والحشر والميزان والصراط والجنة والنار بشكل كثيف جداً، وركز على القصص الداعم لقضية الإيمان ومصائر المكذبين في الدنيا...
من هنا نجزم بأن القرآن المكي جله إيمان وتثبيت لقواعده والبناء عليه.
إن أهم ما ينبغي على كل مسلم الاهتمام به دائماً هو الدعوة إلى التوحيد وهو معنى قوله - تبارك وتعالى-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ }(محمد: من الآية19).
وهكذا كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم عملاً وتعليماً.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في العهد المكي إنما كان فعله ودعوته محصورة في الغالب في دعوة قومه إلى عبادة الله لا شريك له. ففي حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - الوارد في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: "ليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك..." رواه البخاري. وهكذا بدأ عليه الصلاة والسلام واستمر في دعوته في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً من عمره المبارك.
ولزيادة بيان في هذه المسألة فإني وجدت أن ذكر "الجنة والنار" جاءت كالتالي:
عدد المرات 278 مرة:
في القرآن المكي 156 مرة.
وفي القرآن المدني 122 مرة
والعجيب أن ذكر الجنة تكرر في المكي 78 مرة، وذكر النار تكرر في المدني 78 مرة.
و"يوم القيامة" تكرر في القرآن 70 مرة:
في المكي 46 مرة، وفي المدني 24 مرة
و"البعث" بنفس هذا اللفظ جاء ثلاث مرات:
مرتان في المكي، ومرة واحدة في المدني.
و"الساعة" بمعنى اليوم الآخر وردت 40 مرة:
في المكي ثماني مرات وفي المدني 32 مرة.
أما شعار التوحيد (لا إله إلا الله) فجاءت في 22 في في خمس عشرة سورة وهي:
"البقرة 163" "طه 8، 14، 98" "الأنبياء 25، 87" "المؤمنون 116" " النمل 26" "القصص 70، 88" "فاطر3" "الصافات 35" "الزمر 6" "غافر3، 62، 65" " الدخان 8" "محمد 19" "الحشر 22، 23" "التغابن13" "المزمل9".
في المكي: سبع عشرة مرة في إحدى عشرة سورة.
في المدني: خمس مرات في أربع سور.
مما يدلل بشكل قطعي أن قضية الإيمان كان التركيز عليه في العهد المكي أكثر، ومما نفهم منه أيضاً أن بناء دولة الإسلام وتحكيم شرع الله تعالى يجب أن يسبقه قاعدة إيمانية متينة وصلبة يقوم عليها بناء الأمة المتكامل فالأمة لا تحافظ على كيانها ولا تنهض بالمهمة الثقيلة إلا من خلال جيل أو أجيال هم جبال في إيمانهم وعقيدتهم وأوتاد لتثبيت أركان دولة الإسلام من أن تميد بها الشبهات والشهوات، يقدمون أنفسهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله كما وصف الله تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..}النساء {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}التوبة111 {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}الصف4. هذا الجيل لا يهتز لأي عارض لا كما نرى اليوم أمتنا كريشة في مهب الريح.

أول نداء وآخر نداء في القرآن

أول نداء وآخر نداء في القرآن الكريم

- أول نداء في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ..} البقرة21. تكرر مرتين في سورة البقرة. وقد ورد النداء في سورة البقرة ثلاثاً وعشرين مرة، على النحو التالي: {يَا آدَمُ} مرتان. {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} ثلاث مرات، {يَا قَوْمِ} مرة واحدة من موسى لقومه، {يَا مُوسَى} مرتان، {يَا بَنِيَّ} مرة واحدة من يعقوب لبنيه.
- وأول نداء للمؤمنين في القرآن وكان في سورة البقرة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ,, } البقرة104. وقد تكرر هذا النداء في السورة إحدى عشرة مرة كما يلي:
153، 172، 178، 183، 208، 254، 264، 267، 278، 282 .
- وآخر نداء في القرآن وهو خطاب موجه للكافرين {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} الكافرون1

الطريقة المثلى في ترتيب آيات النداء

الطريقة المثلى في بيان نداء الإيمان
أهي في التسلسل حسب ترتيب المصحف اليوم والذي استقر عليه أمر المسلمين.
أم حسب ترتيب النزول، وأرى أن لكل منهج فائدته. فبحسب ترتيب النزول يتبين لنا كيف تدرج الحكيم الخبير مع "الأمة" المنزلة عليهم الرسالة في التربية والتوجيه والتكليف، فنعرف كيف بدأ ومن أين بدأ ثم كيف انتهى وإلى أين انتهى.
أما الطريقة الأولى وهي حسب الترتيب المعروف اليوم فلها في رأيي وجاهتها وهي أن حال الأمة استقر كأمة عبر أجيال وعصور فهم ليسوا خاليي الذهن حتى يُبدأ بهم من نقطة البداية الأولى، فما يناسب الأمة لاحقاً هو الترتيب المعروف اليوم... ونلحظ ذلك في النداء الأول في سورة البقرة آية 104 والتي يقول فيها تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}البقرة، فالأمر مستقر في مبادئها وثوابتها ومنهجها فلتثبت الأمة على ذلك ولتكتفِ بما عندها، ولتحرص على أن تكون متميزة متفردة لا تأخذ من الآخر ما عنده وتستبدلها بما عندنا، فلا تقولوا ما يقول الآخر بل قولوا ما تقولونه أنتم وما علّمكم ربكم أن تقولوا، فعندكم الإسلام فقولوا الإسلام ولا تقولوا العلمانية وقولوا الشورى ولا تقولوا الديمقراطية وقولوا العدالة فلا تقولوا الاشتراكية وقولوا الالتزام والانضباط ولا تقولوا الليبرالية الخ ... قولوا خمور ولا تقولوا مشروبات روحية .. قولوا فاحشة ولا تقولوا فن وحرية.
إنه أول ثابت يجب على الأمة أن تحافظ عليه فإن من يبدأ التنازل بخطوة لن يتوقف إلا عند الهزيمة الكبرى والانسحاق الكامل والذوبان ... ثم التحذير من اليهود وهم العدو الأشد عداوة كما قرر القرآن الكريم {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}]المائدة82[ هذا العدو الذي لن تنتهي عداوته وستعانون منه كثيراً والحاضر دليل صارخ على مصداق ذلك. وهو ما نبهت عليه سورة الإسراء أو سورة بني إسرائيل في أوائلها وهي تبين للأمة تطور الصراع ومراحله.
قضية الإيمان هي القضية الأساس التي لا يعدلها شيء وهي ركيزة كل عمل وهي منطلق كل حركة في الحياة.. إنها قضية الأنبياء جميعاً {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}]الأنبياء 25 [وكل عمل لا يقوم على هذا الأساس فهو باطل ماحق {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}]المائدة5[. }وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}]الفرقان23[ فيأتي الرجل العظيم عند الميزان فلا يزن جناح بعوضة، ويأتي الرجل بلا إله إلا الله فينجو بها فيدخل الجنة..
(قولوا لا إله إلا الله تفلحوا). وكما قالت الصدِّيقة بنت الصدِّيق (لو كان أول ما نزل أن دعوا الخمر لقالوا لا ندعه أبداً)، فما انتكست الأمة ولا ارتكست إلا عندما أصبح هذا الركن منبوذاً أو مؤخراً.. إن الحق يستطيع أن يشق طريقه بين ركام الأضاليل، ويستطيع أن يعلو ويظهر. وأبشِّر الأمة أن الإيمان ظاهر لا محالة لأنه كلمة الله فهي العليا ولأنها العليا فهي المنتصرة، وأن الأمة لم تخلُ أبداً من الفئة المؤمنة الصادقة على الحق..
نحن بهذا الإيمان نوقن أن وعد الله حق في نصر دينه والتمكين لعباده في الأرض.. حتى يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار فيعم بنوره المعمورة كلها... عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ" وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، يَقُولُ: "قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ"
[1]
* نحن في زمان أمسى كثير من المسلمين يتسمّون بغير أسماء المسلمين ويتنادون بغير نداء الإسلام والإيمان: الشعوبيون – الرفاق – المواطنون – القوميون..إلخ
ويتباهون بإنكار إيمانهم فقد استبدلوا العلمانية والماركسية والوطنية والقومية والقطرية بل والعشائرية بالإيمان والإسلام، بل أصبح الإسلام سُبّة وأصبح الإسلام قرين التخلف والرجعية والظلامية.
نسمع ذلك ممن تسمى بمحمد وأحمد وعباس وعلي ويتشدقون باسم التنوير والتقدم... وما هو - والله - إلا الخذلان والهزيمة والاندحار واتباع سنن الآخرين مصداقاً لنبوءة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه الذي لا ينطق عن الهوى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَبَاعًا فَبَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ دَخَلْتُمُوهُ "، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ ؟ يَا رَسُولَ اللهِ، أَهْلُ الْكِتَابِ ؟ قَالَ: " فَمَهْ "
[2]
* فأردنا أن ينتبه الناس لهذا النداء الخالد العظيم الذي ارتضاه لنا رب العالمين... هذا النداء الذي رضيه لنا رب السموات والأرض لننزع عنا لبوس الجاهلية المعاصرة بكل تلاوينها.. حتى نعلي صوتنا مجاهرين بعزة، وبأننا مؤمنون مسلمون امتثالاً لأمر ربنا العزيز الحكيم {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ*فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}البقرة136-138، فلنكسر الجرّة ولترتجّ الأرض بالنداء العظيم الخالد، (رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا) وليعلُ صوت العزة بنداء العزة (الله غايتنا والقرآن دستورنا والرسول زعيمنا ولو كره الحاقدون).
* طغت الجاهلية وبغت وأكلت الأخضر واليابس وأينع سوقها، وضغطت حتى انكمش حزب الإيمان والإسلام من بعد أن مزقتهم يد الجاهلية فريقاً استضعف وفريقا قتِّل وأعدم، وفريقا شرِّد في الآفاق، وفريقاً قضى معظم عمره في غيابات السجون.. وفريقاً استسلم وركن وباع آخرته بدنيا غيره، لم يأخذ إلا المتساقط من أشداق الطغاة المفسدين. الذين قيل لهم لا تفسدوا في أرض رفعوا عقيرتهم إنما نحن مصلحون ويشهد الله ما هم إلا مفسدون، أضاعوا العباد والبلاد أيضا لينالوا حظاً من الحياة الدنيا يجود به عليهم الأسياد، ونسوا حظاً مما ذكروا به واتبعوا أهواءهم وطُمس على قلوبهم فهم لا يفقهون... لا يفقه من يبيع آخرته جنة عرضها السموات والأرض خالدين فيها أبدا... بمتاع قليل يوشك أن يفارقه كما فارقه مَن قبله.. لا يفقه من يسكن في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وقد تبين لهم كيف فعل الله بهم.. ثم لا يتعلم..
فلنوقن نحن المؤمنين أننا لنحن المنصورون وأن العاقبة لنا، ألم يقل الحق تعالى {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، نعم العاقبة والتمكين في الدنيا قبل الآخرة {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ*وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}القصص5-6. فليعمل كلٌّ منا على تعجيل هذا اليوم حتى يكون على أيدينا نحن اليوم، بتحقيق شرط التمكين فينا {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}النور55-56 {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}الحج41.
* وإن أهملنا وقصّرنا وبقينا نركن إلى الذين ظلموا فإن نصر الله قادم والتمكين لا محالة ولكن بغيرنا {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}التوبة39 {هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}محمد38. فالإسلام قادم بنا وبغيرنا.. فنسأل الله العلي العظيم أن يكون بنا فنفوز بهذ الفضل العظيم في الدنيا {وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}العصر1-3.
[1] . مسند الإمام أحمد بن حنبل، إسناده صحيح على شرط مسلم. تحقيق شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد ، وآخرون.
[2] . مسند الإمام أحمد بن حنبل، إسناده صحيح على شرط مسلم. تحقيق شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد ، وآخرون.

المدخـل

المدخـل
جاءت فكرة هذا الكتاب من أمرين:
الأول: من الدرس الكبير الذي علمه ابن مسعود للأمة حيث "أتى رجلٌ عبدَ الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه." فحريّ بنا كمؤمنين أن نعرف أوامر الله ونواهيه لنا لنستقيم على الطريقة أليس اللّه يقول: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]
الثاني: رجاء أن أقدم شيئاً بين يديّ ألقى به الله تعالى يوم {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ*وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ*وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} في يوم ينقطع فيه العمل إلا من ثلاث.. يوم تنقطع عنا الأسباب من الأعمال.. منها ما أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " .. أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ.."
لا أقول إني سآتي بما لم يُؤتَ به، بل نحن اليوم عيال على موائد أسيادنا العلماء نسترزق منهم الكلمة والفكرة والعبارة، ولكنها الحركة التي لا بد منها والومضة المطلوبة لنقول نعم نحن أبناء هذا الدين لا نزال نقول ونعمل ونتحرك ولو كره الكارهون.. إنه خلاص النفس أولاً، وهو ما يجب أن يقدمه كل قادر وفي كل مجال..
إن من لا يرى ما يحل بالأمة اليوم فهو لا يرى الشمس في رابعة النهار، ومن يرى ثم لا يتمعر وجهه فليراجع حقيقة إيمانه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ غَيْرُ اللهِ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ "
[1]
أردت أن أضع بين يدي المؤمنين ما يريد الله تعالى منهم. ونقف على كل نداء ونتبين ما فيه من أمر ونهي ومن افعل ولا تفعل..
- على المؤمن أن يعلم يقينا أن الله تعالى أنزل الكتب وأرسل الرسل لتستقيم حياة البشر وليقيم به الأمة {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}طه123 وأن هجران الكتاب والإعراض عنه فنتيجته الحتمية العيشة الضنكى. فلم ينزل الله الكتاب ليتلى على المقابر وفي محافل المآتم، بل {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}يس70 ولم يُنزل الله الكتاب لتفتتح به المهرجانات والإذاعات والتلفازات ثم يكون من شأنها ما يكون من كل ما يخالف أمر مالك الملك الكبير المتعال.
- إن كل نداءات الإيمان إنما هي نداءات عمل وحياة وتشريع واستقامة وتربية قلوب وعقول وضمائر وأخلاق. "لتطبق أحكامه في الحياة حكما حكماً، وآية آية، وتكليفاً تكليفاً، وأمراً أمراً، ونهياً نهياً، وحداً حداً، وكلمةً كلمةً، وحرفاً حرفاً، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}الإسراء9.
[2]
- شاع في هذا الزمان فكرة شيطانية تدعو إلى ما يسمى بتجفيف منابع الإرهاب وهو في الحقيقة تجفيف منابع الإيمان والإسلام.. فالمقصود رأس الإيمان الذي أنزل الله من أجله الكتب وأرسل الرسل، وخلق الجنة والنار والتكليف وتحقيق العبودية لله الواحد الأحد. يريدون محو الإيمان من القلوب، أو أن يكون إيماناً باهتاً بارداً لا ماء فيه ولا رواء ولا أثر في الحياة...
إنها هي الخُطة القديمة لا تتحول ولا تتغير ابتداءً بسيدهم إبليس الذي توعّد {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}]الأعراف16-17[. مروراً بتلامذته ومريديه على تعاقب الأزمان إلى يومنا هذا.. الذي لا وظيفة لهم إلا تتبع خطوات سيدهم حتى النهاية... هؤلاء التلاميذ والمريدون لم يستفيدوا من الدروس المتتالية في أن كل من يسير في خط الشيطان مصيره الهلاك والبوار. إنها خيوط عنكبوتية.. خطوات عديدة متفرقة وليست خطوة.. سبل عدة وليست سبيلاً، ما أن تنتهي خطوة، وما أن تطمس سبيل، حتى يظهر آخر.. {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا}]سبأ33[ {وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ}]ص6[
ولكن جهلوا أن كلمة الصراط الواحد وكلمة الله الواحدة لا تزول ولا تحول مصداقاً لقوله تعالى {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}]التوبة40[ عليا في بقائها عليا في استمراريتها عليا في ثباتها عليا في صمودها وعليا في تمكنها، ونحن الأمة المسلمة المؤمنة حاملة اللواء الأخير إلى يوم القيامة بشّرنا رسولنا الكريم الذي لا ينطق عن الهوى أن طائفة من هذه الأمة ستبقى على الحق قائمة ظاهرة "لا تَزَالُ أُمَّةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلى الْحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ"
[3] وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" ونحن وقد أكرمنا الله أن نكون في أكناف بيت المقدس نستشعر بعظم الأمانة والمسؤولية المنوطة بنا..
- أنصح أن يحفظ كل مؤمن آيات نداء الإيمان غيباً ويَعلم ما فيها من أحكام وتوجيهات، وتعليمها إلى الناس بشكل دؤوب حتى يعلم الناس ما لهم وما عليهم. مع الالتزام وحمل النفس عليها استجابة لله ورسوله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} ]الأحزاب36[.
[1] . أخرجه أبو بكر البيهقي في شعب الإيمان بإستاد ضعيف.
[2] . الفتنة بين الصحابة - محمد حسان.
[3] . مسند أحمد ، إسناده صحيح على شرط مسلم.

نداء اإيمان .. تمهيد

تمهيد

إن القرآن الكريم هو الدستور الجامع لأحكام الإسلام، وهو المنبع الذي يفيض بالخير والحكمة على القلوب المؤمنة، وهو أفضل ما يتقرب به المتعبدون إلى الله تبارك وتعالى.
عن ابن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا القرآن مأدبة الله، فأقبلوا على مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمةٌ لمَن اعتصم به، ونجاة لمن اتبعه.." (رواه الحاكم).
لقد جمع القرآن الكريم أصول العقائد، وأوامر العبادات، وأسس المصالح الاجتماعية, وكليات الشرائع الدنيوية, فيه أوامر وفيه نواهٍ, وكلها لمصلحة البشرية دون تفرقةٍ بدين أو لون أو جنس أو طبقة أو لسان.
واجب المسلمين نحو القرآن الكريم:
يوضح الإمام البنا- رحمه الله- واجب المسلمين نحو القرآن الكريم فيقول: "وأعتقد أن أهم ما يجب على الأمة الإسلامية حيال القرآن الكريم ثلاثة مقاصد:
أولها: الإكثار من تلاوته، والتعبُّد بقراءته، والتقرُّب إلى الله تبارك وتعالى به.
وثانيها: جعله مصدرًا لأحكام الدين وشرائعه، منه تُؤخذ وتُستنبط وتُستقى وتُتعلم.
وثالثها: جعله أساسًا لأحكام الدنيا منه تُستمد وعلى مواده الحكيمة تُطبَّق.
لقد كان القرآن الكريم فيما مضى زينة الصلوات فأصبح اليوم زينة الحفلات، وكان قسطاس العدالة في المحاكم فصار سلوة العابثين في المواسم، وكان واسطة العقد في الخطب والعظات فصار واسطة العقد في الحلي والتميمات.." .
القرآن الكريم محفوظ في الصدور والسطور والعمل:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).. أنزل الله القرآن الكريم ليكون آخر الكتب المنزلة من السماء؛ لهداية البشرية إلى قيام الساعة، ومن ثَمَّ تعهَّد بحفظه، وتولَّى سبحانه صيانته، فلم يزل محفوظًا مصونًا من التحريف ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ (فصلت).. وهذه واقعة تكشف هذا الحفظ، فعن يحيى بن أكثم قال: كان للمأمون مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي، فتكلَّم فأحسن الكلام، قال: فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلَّم على الفقه فأحسن الكلام؛ فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون وقال: ألستَ صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفتُ من حضرتك فأحببتُ أن أمتحن هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط، فعمدتُ إلى التوراة فكتبتُ ثلاث نسخ فزدتُ فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتُريت مني، وعمدتُ إلى الإنجيل فكتبتُ ثلاث نسخ فزدتُ فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتُريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدتُ فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها؛ فعلمتُ أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.
وحفظ القرآن الكريم يكون في ثلاث صور:
1- الحفظ في الصدور وهذا هو الأصل، ويتم بالتلقي مشافهةً، فقد قرأه أمين الوحي جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضوان الله عليهم، وتلقاه التابعون عن الصحابة، وهكذا سلسلة متصلة إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة.
2- الحفظ في السطور، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين تنزل الآية أو الآيات يأمر كُتَّاب الوحي بأن يكتبوها في مكانها من السورة، وظلت صحائف موزعة إلى أن جمعها أبو بكر- رضي الله عنه- في مكانٍ واحد، ثم جاء عثمان رضي الله عنه من بعد ذلك فنسخ منها نسخًا ووزعها على الأقاليم.
3- الحفظ بالعمل: وذلك بأن يظل القرآن الكريم منهج حياة المسلم كفرد في نفسه وأسرته يطبق أحكامه يحل حلاله ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه وأخلاقه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم فقد سُئلت السيدة عائشة - رضي الله عنها - عن خلق رسول صلى الله عليه وسلم فقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَىَ. قَالَتْ: "فَإِنّ خُلُقَ نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ" (صحيح مسلم).
ومن حفظ العمل على مستوى الدولة التي دينها الإسلام أن يكون أساس دستورها ومصدر تشريعها الأول، وميزان عدالتها في المحاكم، وأن يكون من ثوابت المناهج الدراسية في كل مراحل التعليم.
كما يجب عليها أن تعلم أن كل مادة في الدستور لا يسيغها الإسلام، ولا تُجيزها أحكامه يجب أن تُحذف منه، حتى لا يظهر التناقض في القانون الأساس للدولة.