النداء الأول
لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا
لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ البقرة१०४
مدخــل
إن الكلمة إذا أصبح لها مدلول اصطلاحي أي حقيقة عرفية خاصة، وصار لاستعمالها واقع فحينها يسَلَّط الحكم الشرعي على المعنى الاصطلاحي وليس على المعنى اللغوي، فإن كلمة ( راعنا ) كلمة عربية بمعنى انتظرنا وأمهلنا وهي نفس معنى كلمة (انظرنا) ولكن اليهود يستعملون ( راعنا ) في معنى السبّ والشتم ويستغلون استعمال المسلمين لها في نداء الرسول صلى الله عليه وسلم فسيتعلمونها هم في نداء الرسول كذلك بقصد السبّ والشتم ، فنزلت الآية بأن لا يستعمل المسلمون هذه الكلمة لأنها أصبحت اصطلاحاَ – حقيقة عرفية خاصة- بمدلول جديد، وأصبح الحكم الشرعي لمثل هذه الكلمات يسلط على المعنى الاصطلاحي وليس على المعنى اللغوي.
فمثلا لو سُئلنا الحكم الشرعي في الاشتراكية، فلا نبحث معنى الاشتراكية اللغوي من اشترك أو شركاء أو شركة حسب معانيها اللغوية ونسلط الحكم عليها، بل نسلط الحكم الشرعي على المعنى الاصطلاحي لكلمة (اشتراكية) فنجد أن أهلها سموها بهذا الاسم للدلالة على مبدأ معين ينكر أن هناك خالقاً للمادة ويعتبرها أزلية ثم يطبق أحكاماً منبثقة من عقيدته هذه، فيقول بتطور المادة وإلغاء الملكيات وأنواع المساواة المبنية في ذلك النظام، وبهذا المعنى نقول إن الاشتراكية نظام كفر للنصوص الواردة حول مدلولها الاصطلاحي. [1]ومثلها الديمقراطية والرأسمالية والعلمانية॥ إلخ।
المعاني المفردة
رَاعِنَا: فِعْلُ أَمْرٍ. أمر من المراعاة، أي راعنا سمعك أي اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه أو انظر في مصالحنا وتدبير أمورنا..
انْظُرْنا: أي انظر إلينا، أو انتظرنا وتأنّ علينا وأمهلنا।
قالَ ابنُ عباسٍ في روايةِ عطاءٍ: وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِهَا، فَلَمَّا سَمِعَتْهُمُ الْيَهُودُ يَقُولُونَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ وَكَانَ ﴿رَاعِنَا﴾ فِي كلام اليهود سبًّا قبيحًا فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا فَالآنَ أَعْلَنُوا السَّبَّ لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَكَانُوا يَأْتُونَ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ ﴿رَاعِنَا﴾ وَيَضْحَكُونَ فَفَطِنَ بِهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَكَانَ عَارِفًا بلغة اليهود، وقال: يا أَعْدَاءَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَئِنْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ فَقَالُوا: أَلَسْتُمْ تَقُولُونَهَا لَهُ؟ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآيَةَ.
مناسبة الآية في السياق[3]
"اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه"
] ومناسبة نزول هاته الآية عقب الآيات المتقدمة في السحر وما نشأ عن ذمه ، أن السحر كما قدمنا راجع إلى التمويه ، وأن من ضروب السحر ما هو تمويه ألفاظ وما مبناه على اعتقاد تأثير الألفاظ في المسحور بحسب نية الساحر وتوجهه النفسي إلى المسحور ، وقد تأصل هذا عند اليهود واقتنعوا به في مقاومة أعدائهم.[. من فوائد ابن عاشور فى الآية.
في ظلال النداء[4]
يتجه الخطاب في مطلع هذا الدرس إلى ﴿ الذين آمنوا ﴾ يناديهم بالصفة التي تميزهم ، والتي تربطهم بربهم ونبيهم ، والتي تستجيش في نفوسهم الاستجابة والتلبية .
وبهذه الصفة ينهاهم أن يقولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿ راعنا ﴾ - من الرعاية والنظر - وأن يقولوا بدلاً منها مرادفها في اللغة العربية : ﴿ أنظرنا ﴾ । . ويأمرهم بالسمع بمعنى الطاعة ، ويحذرهم من مصير الكافرين وهو العذاب الأليم :
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا : راعنا وقولوا انظرنا . واسمعوا . وللكافرين عذاب أليم ﴾ .
وتذكر الروايات أن السبب في ذلك النهي عن كلمة ﴿ راعنا ﴾ । . أن سفهاء اليهود كانوا يميلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ ، وهم يوجهونه للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يؤدي معنى آخر مشتقاً من الرعونة . فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي - صلى الله عليه وسلم - مواجهة ، فيحتالون على سبه - صلوات الله وسلامه عليه - عن هذا الطريق الملتوي ، الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء! ومن ثم جاء النهي للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة ، وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى ، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته . كي يفوتوا على اليهود غرضهم الصغير السفيه!
واستخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى غيظهم وحقدهم ، كما يشي بسوء الأدب ، وخسة الوسيلة ، وانحطاط السلوك । والنهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله لنبيه وللجماعة المسلمة ، ودفاعه - سبحانه - عن أوليائه ، بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين.
وبهذه الصفة ينهاهم أن يقولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿ راعنا ﴾ - من الرعاية والنظر - وأن يقولوا بدلاً منها مرادفها في اللغة العربية : ﴿ أنظرنا ﴾ । . ويأمرهم بالسمع بمعنى الطاعة ، ويحذرهم من مصير الكافرين وهو العذاب الأليم :
﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا : راعنا وقولوا انظرنا . واسمعوا . وللكافرين عذاب أليم ﴾ .
وتذكر الروايات أن السبب في ذلك النهي عن كلمة ﴿ راعنا ﴾ । . أن سفهاء اليهود كانوا يميلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ ، وهم يوجهونه للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يؤدي معنى آخر مشتقاً من الرعونة . فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي - صلى الله عليه وسلم - مواجهة ، فيحتالون على سبه - صلوات الله وسلامه عليه - عن هذا الطريق الملتوي ، الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء! ومن ثم جاء النهي للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة ، وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى ، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته . كي يفوتوا على اليهود غرضهم الصغير السفيه!
واستخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى غيظهم وحقدهم ، كما يشي بسوء الأدب ، وخسة الوسيلة ، وانحطاط السلوك । والنهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله لنبيه وللجماعة المسلمة ، ودفاعه - سبحانه - عن أوليائه ، بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين.
1. نهي الجماعة المسلمة عن التشبه بهؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب في قول أو فعل بما
يتوافق مع معاني ومدلولات غير المسلمين فما بالكُم بالإيمان والاعتقاد والعمل بما عندهم من
أفكار ومناهج حياة وسلوك.
2. التمسّك بسدّ الذرائع وحمايتها.. وقد دلّ على هذا الأصل الكتابُ والسُّنة. والذَّرِيعة عبارةٌ عن أمر غير ممنوع لنفسه يُخاف من ٱرتكابه الوقوع في ممنوع. – وَهِيَ الْوَسَائِلُ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى أَمْرٍ مَحْظُورٍ –.
3. استخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى عظيم غيظهم وحقدهم، كما يشي بسوء الأدب، وخسة الوسيلة، وانحطاط السلوك.
4. النهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله لنبيه وللجماعة المسلمة، ودفاعه – سبحانه – عن أوليائه، بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين.
5. كشف دسائس اليهود وكيدهم للإسلام والمسلمين؛ وتحذير الجماعة المسلمة من ألاعيبهم وحيلهم، وما تكنه نفوسهم للمسلمين من الحقد والشر، وما يبيتون لهم من الكيد والضر. ويكشف للمسلمين عن الأسباب الحقيقية الدفينة التي تكمن وراء أقوال اليهود وأفعالهم، وكيدهم ودسهم، وألاعيبهم وفتنهم، التي يطلقونها في الصف الإسلامي.
6. فرِّغوا أيها المؤمنون أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة. واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا. واسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم.
7. تجنّب الألفاظ المحتمِلة التي فيها التعريض للتنقيص والغَضّ.
8. قوله تعالى: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ نهيٌ يقتضي التحريم.
[1] . التيسير في اصول التفسير: عطا ابو الرشتة ص134-135. ط 1418هـ 1998م
[2] . التفسير المنير فى العقيدة والشريعة والمنهج/ وهبة بن مصطفى الزحيلىالقرن، الخامس عشر، الناشر: دار الفكر المعاصر، مكان الطبع: بيروت دمشق، سنة الطبع : 1418 ق، ج1 ص235.
[3] . الحَاوِى فى تَفْسِيرِ القُرْآنِ الْكَرِيمِ، ويُسَمَّى ( جَنَّةُ الْمُشْتَاقِ فى تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَلِكِ الْخَلَّاقِ )/ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَمَّاش، إِمَامُ وَخَطِيبُ مَسْجِدِ بُورُسْلِى ـ رَأْسُ الْخَيمَةِ، دَولَةُ الإِمَارَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَّحِدَةِ،ج6 ص 27.
[3] . في ظلال القرآن.
[5] . أسباب نزول القرآن. الواحدي. تفسير مفاتيح الغيب. التحرير والتنوير. في ظلال القرآن. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج. الجامع لاحكام القرآن/ القرطبي، المحقق: هشام سمير البخاري، الناشر: دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة: 1423 هـ/ 2003 م.